أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
174
عجائب المقدور في نوائب تيمور
قبائل بلاده من لهيب ناره شرر ، فبادر إلى ملاقاته ، وساقته سوائق المنون إلى شرب كأسها في مساقاته ، وأراد أن يكون مصطدم الناس ، خارج بلاده على ضواحي سيواس ، فأجرى من عساكره السيول الهامره ، وأخذ بهم على قفا غامره ، حذرا على رعاياه ، من مواطىء مطاياه ، فإنه كان على الضعيف من رعيته شفيقا ، وبالفقير من حشمه وخدمه رفيقا . يحكى أنه كان في بعض مغازيه ، فعطش بعض حواشيه ، فأتى في قرية بعض النساء ، فطلب منها شربة ماء ، وكانت أشأم من البسوس ، يضرب بها المثل في اللؤم والبؤس ، فقالت ما عندي ما تشرب ، فخذ طريقك ولا تتعب ، وكان العطش قد غلبه ، ورأى عندها في بعض القبعة ، شربة لبن فشربها ، فقالت هذا قوت الصبيان ، واشتكت عليه لابن عثمان ، فطلبه واستفسره ، فخاف شدة نقمته ، فأنكره ، فقال للمرأة أنا أبعج قبقبه ، ليتبين صدقه وكذبه ، فإن ظهر في بطنه اللبن ، أعطيتك الثمن ، وإن تبينت بالصدق قوله ، جعلتك مثلة مثله ، فقالت والله إنه شربه ، وما فهت في حقه بكذبه ، ولكن فرجت كربته ، وأبرأت ذمته ، فقال : لابد من إجراء العدل ، وإنهاء هذه الحكومة بالفصل ، ثم دعا بالسيف ووسّطه ، وأجرى على بطنه ما شرطه ، فانفجر بطنه وهو منعقر ، وجرى اللبن وهو بدمه ممذقر ، فأشهره في الوثاق ، ونادى عليه هذا جزاء من يتناول في دولة الملك العادل ابن عثمان شيئا بغير استحقاق ، ثم إن ابن عثمان تابع الترحال ، وسلك في رمضان السفر صوم الوصال . ذكر ما فعله ذلك الساقطة مع ابن عثمان وعسكره من المغالطة ولما بلغ تيمور أن ابن عثمان أخذ على الطريق الغامره ، نبذه نبذ اليهود كتاب الله وراء ظهورهم ، وأخذ على الجادة العامرة ، فدخل هو وعسكره على ظلال وعيون ، وفواكه مما يشتهون ، ولسان حالهم الفصيح ، بنشد في الآفاق ويصيح شعرا : ولست أبالي بعد إدراكي العلى * أكان تراثا ما تناولت أم كسبا